الشيخ محمد رشيد رضا

60

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تلحق بالأصل . وأما جوابه الثاني فهو خطأ نشأ عن غفلته عن فساد السؤال في نفسه وذلك أن عدم حياة الصبي إلى أن يبلغ ويعمل ما يعمل مسألة عدمية لا وجه لسؤال الخالق عنها ولا يأتي فيها مسألة الأصلح في مذهب المعتزلة لأنهم يقولون إن أفعاله وأحكامه تعالى يجب بمقتضى الحكمة أن لا تخلو عن مصلحة وأن تكون من حيث هي صادرة عنه تعالى حسنة وخيرا ولا تقتضي قواعدهم هذا في الأمور العدمية السلبية بأن يقال مثلا انما لم يخلق من صلب فلان مائة رجل لكذا من الحكم والمصالح ولم يجعل عمر فلان ألف سنة لكذا وكذا وأما النظر في المسألة من جهة القدر والسنن فيقال فيه بالاختصار إن اللّه تعالى جلت حكمته قد مضت سنته في نظام أمور الخلق أن يكون لطول العمر أسباب من روعيت فيه صغيرا ممن يقوم بأمر تربيته وراعاها في أعماله التي يستقل بها من أول النشأة طال عمره بتقدير اللّه تعالى ، كما أن لاختيار الايمان على الكفر وضده واختيار الطاعة على العصيان وضده أسبابا بحسب السنن والاقدار كما أوضحناه مرارا في تفسير الآيات المتعلقة به ، وكل تلك الاقدار والسنن الإلهية مبنية على منتهى الحكمة والحق والعدل ، وفوق ذلك ما لم تصل اليه بصائر غلاة القدرية من الجود والفضل ، فلو سأل صبي ربه يوم القيامة لم لم يطل عمره عساه يعمل ما يستحق به الدرجات العلى ، فالمعقول أن يبين اللّه له تعالى ما خفي عنه من سننه وتقديره لأسباب الموت والحياة وكون سننه لا تتغير ولا تتبدل وأن اطالته لعمر فلان دون فلان لم يكن خلقا أنفا جديدا كما تزعم القدرية النفاة حتى يرد فيه السؤال : لم خص فلان بكذا وحرم منه فلان وهو مثله ؟ فعلم بهذا أن مسألة إطالة اعمار بعض الناس دون بعض ليس من الجود الخاص الذي يختص اللّه به تعالى بعض العباد تفضيلا له على غيره وعناية به كما فضل بعض الرسل على بعض ، وكما فضل هذه الأمة المحمدية على الأمم بايتائها كفلين من الاجر ، ولا على نحو ما ذكرناه في الكلام في التوفيق حتى يكون المحروم منها مخذولا ، وانما طول الاعمار وقصرها والأمراض جارية على وفق المقادير المطردة والسنن العامة ولذلك كانت عامة في المؤمن والكافر والبر والفاجر ، فهي كمسألة الرزق في سعته وضيقه قال تعالى فيها ( 17 : 20 كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً